التنقل السريع

    تجمـيل الثـدي

    أحكـام وضوابط شـرعية
     د.عبد الرحمن بن أحمد الجرعي([1])

    الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
    وبعد:
    فإن المسائل المتعلقة بالمجال الطبي من أكثر القضايا المعاصرة مساساً بحياة الناس، والبحث فيها مهم، وتتطلب الحضور الدائم للفقيه.
    ومن أهم القضايا الطبية المعاصرة قضايا التجميل الطبي وخاصة جراحات التجميل، حيث حصل في هذا المجال من التطور السريع والكبير ما يضع بين يدي الباحثين عشرات المسائل والموضوعات التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي.
    ومن بين هذه الموضوعات موضوع: تجميل الثدي (أحكام وضوابط شرعية)، وهو من موضوعات هذا المؤتمر المبارك.
    وقد قسمت الموضوع إلى تمهيد ومبحثين.
    فالتمهيد: ذكرت فيه تعريف العمليات التجميلية، وأهمية جراحة الثدي، ومشروعية العمليات التجميلية، وشروط جواز جراحات التجميل.
     أما المبحث الأول: فهو عن تجميل ثدي الرجل، وتحته مطلبان:
    المطلب الأول: دوافع هذا التجميل.
    المطلب الثاني: الأحكام المتعلقة بهذا النوع من التجميل.
    المبحث الثاني: تجميل ثدي المرأة لوجود عيب أو مرض أو حاجة، وتحته المطالب الآتية:
    المطلب الأول: تكبير الثدي أو تصغيره لحاجة، وتحته مسائل:
    المسألة الأولى: إذا كان الثدي صغيراً بشكل غير عادي لحادث أو لمرض.
    المسألة الثانية: إذا كان الثدي متضخماً بحيث يؤدي إلى إجهاد العنق والعمود الفقري مما يسبب الآلام وزيادة التعرق وتهيج الجلد.
    المسألة الثالثة: إعادة بناء الصدر بسبب استئصال الثدي المصاب بالسرطان.
    المطلب الثاني: تجميل ثدي المرأة لغرض الجمال أو التقليد للغير.
    المطلب الثالث: رفع الثدي لعلاج التهدل الحاصل فيه بسبب السن وتكرر الولادة.
    المطلب الرابع: حكم الوشم الطبي لتمديد منطقة حلمة الثدي.
    الخاتمة.
    المصادر والمراجع.

    التمهيد
    أولاً: تعريف العمليات التجميلية:
    عرفها بعض الباحثين بأنها مجموعة الجراحات التي تتعلق بالشكل والتي يكون الغرض منها علاج عيوب طبيعية أو مكتسبة في ظاهر الجسم البشري تؤثر في القيمة الشخصية أو الاجتماعية للفرد([2]).
    وأرى أنه لا بد من إضافة العمليات أو الجراحات التي يراد منها التحسين واكتساب شكل جديد للعضو المراد تجميله.
    فهو يشكل قسماً مهماً من أقسام جراحات التجميل.
    أما بالنسبة لتجميل الثدي فيقصد به فيما يظهر لي:
    العمليات التي تعنى بتصغير الثدي أو تكبيره أو رفعه أو إعادة ترتيب الصدر وذلك لوجود عيب أو ضرر أو رغبة في التحسين.

    ثانياً: أهمية جراحة الثدي:
    يتعرض الرجل أو المرأة لبعض الأمراض التي تحتاج إلى استئصال الثدي لوجود ورم ونحو ذلك، وقد تحتاج المرأة أو الرجل إلى تصغير الثدي أو تكبيره لوجود عيب أو تضخم بسبب بعض الأمراض، فلا يمكن إزالة هذا الضرر أو التخفيف منه إلا بالتدخل الجراحي إما بالإزالة أو التكبير أو التصغير للثدي، ولا يخرج الثدي عن كونه عضوا من أعضاء الإنسان يطرأ عليه المرض أو النقص فيحتاج إلى معالجة.
    وقد تطورت الجراحات الطبية في مجال تجميل الثدي تطوراً مذهلاً تمكَّن فيه الأطباء من إزالة كثير من العيوب والتشوهات التي تورث الإنسان ألماً وقلقاً نفسياً. وقللت من المخاطر التي تصاحب هذه العمليات في العادة.
    ومع ذلك، فقد صاحب هذا التطور المذهل ممارسات غير مشروعة تمثلت في إجراء بعض العمليات التي لا تجوز شرعاً، فاقتضى الأمر محاولة الوصول لتبيان الحكم الشرعي في ذلك.
    ثالثاً: مشروعية عمليات تجميل الثدي:
    تجرى عمليات تجميل الثدي لأغراض عدة، منها ما هو مشروع، ومنها غير ذلك- كما سيأتي-.
    وهذه العمليات التجميلية التي لها غرض مشروع داخلة ضمن إطار أحكام الجراحة الطبية، ومن الأدلة على مشروعيتها ما يأتي:
    1-     أن الله عز وجل خلق الإنسان في أحسن صورة قال تعالى(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) [غافر: 64]، وفي عمليات التجميل إعادة لهذه الصورة الحسنة التي خلق الله الإنسان عليها.
    2-     إن العيوب التي تعالجها جراحات التجميل تشتمل على ضرر حسي ومعنوي، وهذا موجب للترخيص بفعل الجراحة فتنزل منزلة الضرورة ويرخص بفعلها([3]) إعمالاً للقاعدة الشرعية: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة"([4]).
    3-     القياس على باقي الجراحات المشروعة بجامع وجود الحاجة في كل منهما([5]).
    شروط جواز جراحة التجميل:
    1-     أن يكون المريض مضطراً ومحتاجا لإزالة علة المرض([6])، فإن لم يكن هناك حاجة وإنما هو الرغبة في التزين وتحسين الهيئة أو القوام فلا يحل لما لهذه من الجراحات من آثار وأضرار، ولما فيها من تغيير للخلق.
    2-     إذن المريض أو وليه بالجراحة، كما هو الشأن في أحكام التداوي عموما([7]).
    3-     أهلية الطبيب المعالج وأهلية المساعدين له، وإلا أثم وضمن.
    4-     أن يغلب على ظن الطبيب نجاح العملية لعموم قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195]([8])، والظن الغالب ينزل منزلة التحقيق([9])، فإن كانت العملية لا خطر لها وكان نجاحها مرجوًّا فلا بأس بعملها لعدم الضرر، والله أعلم.
    5-     أن لا يوجد بديل أخف ضرراً من الجراحة([10]) لما في الجراحة من الآلام والآثار الضارة، وإعمالاً لقاعدة: "اختيار أخف الضررين"([11]).
    6-     أن لا يترتب على فعلها ضرر أكبر من ضرر المرض الموجود([12])، وسواءً كان هذا الضرر في إجراء العملية ذاتها أو في آثارها ومآلاتها أو في وسائلها.
    فقد يترتب على إجراء العملية أضرار أخرى كآلام مبرحة لا تكاد تطاق أو قد تكون سبباً لعلة أخرى كبيرة كأن تورث جراحة الثدي أوراماً سرطانية مثلاً وقد تدفع الأموال الطائلة لعلاج أمر بسيط مما يخرج الأمر إلى الإسراف في الإنفاق بلا مبرر، وقد تعطل بعض العمليات المريض عن واجبات شرعية مهمة بلا حاجة ماسة.
    7-     أن لا يكون فيها تغيير للخلقة الأهلية المعهودة فلا يجوز تغيير هيئة عضو من الأعضاء بالتصغير أو التكبير، إلا إذا كان ذلك التغيير للعضو في حدود الخلقة المعهودة.
    8-     أن لا يكون فيها تدليس وغش وخداع، فلا يجوز للمرأة الكبيرة أو العجوز إجراء عملية بقصد إظهار صغر السن.
    9-     ألا تكون بقصد تشبه أحد الجنسين (الذكر والأنثى) بالآخر، فلا يجوز للرجال التشبه بالنساء في الزينة ولا بالعكس، وكذلك لا تجوز بقصد التشبه بالكافرين أو أهل الشر والفجور([13]).

    المبحث الأول
    تجميل ثدي الرجل
    وتحته مطلبان:
    المطلب الأول
    دوافع هذا النوع من التجميل
    1-     الرغبة في إزالته لإصابته بمرض السرطان.
    2-     تصغيره لضخامته غير المعتادة، إما بسبب السمنة أو بزيادة تركيز الهرمونات في الجسم، أو نتيجة لاستخدام بعض الأدوية، أو الإصابة ببعض الأمراض فيلحق الإنسان بعض الأذى النفسي من مشاهدة الآخرين لثديه المتضخم.
    3-     تصغيره ليتناسب مع الجسم خاصة إذا أزيل الثدي الآخر لأجل إصابته بمرض السرطان.
    4-     تضخيم الثدي لإبراز العضلات والحصول على شكل مميز يشابه اللاعبين في رياضة كمال الأجسام([14]).
    المطلب الثاني
    الأحكام المتعلقة بهذا النوع من التجميل
    ذكرت في المطلب السابق أن لتجميل ثدي الرجل عدة دوافع، والحكم الشرعي- في نظري- ينبني على مشروعية الدافع لهذه الجراحة بعد الإقرار بمشروعية الجراحة التجميلية إذا كانت من باب العلاج وقد سبق الكلام عن أدلة هذه المشروعية([15]).
    فلو نظرنا إلى هذه الدوافع واحدة بعد الآخر وحاولنا تلمس الحكم الشرعي فإننا نجد ما يأتي:
    1- الدافع الأول لجراحة تجميل ثدي الرجل:
    الرغبة في إزالة الثدي لإصابته بمرض السرطان والحقيقة أن هذا ليس من باب التجميل بل هو من باب العلاج وإزالة الضرر، وهذا جائز بل قد يكون مندوباً إليه كما إذا أكد الأطباء أن استئصال هذا الثدي يحتاج إليه لإزالة خطر السرطان عن جسم الإنسان([16]).
    من الأدلة التي يمكن الاستدلال بها على ذلك:
    1)        الأدلة الدالة على مشروعية التداوي ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء"([17]).
    وجه الدلالة:
    أن وجود السرطان في جسم الإنسان داء، فيشرع إزالته، ويكون إزالة العضو المشتمل على المرض من باب العلاج فيكون مشروعاً.
    2)        ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً فكواه عليه"([18]).
    وجه الدلالة:
    من الحديثين السابقين: أنهما بينا مشروعية التداوي، ومن التداوي: الجراحة التي يجري فيها قطع العروق ومثله في ذلك إزالة العضو المشتمل على الداء كالسرطان. فإن إزالة هذا الداء واستئصاله يكون من باب العلاج المشروع.
    3)        قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"([19]).
    وجه الدلالة:
    أن بقاء الداء في هذا العضو ضرر على صاحبه، وقد جاءت الشريعة بدفع الضرر وبالتالي فتكون جراحة إزالة الثدي لغرض اشتماله على الخلايا السرطانية مشروعة دفعاً للضرر.
    2- الدافع الثاني لجراحة تجميل ثدي الرجل:
    الرغبة في تصغيره لضخامته غير المعتادة، إما بسبب السمنة، أو زيادة تركيز الهرمونات في الجسم، أو نتيجة لاستخدام بعض الأدوية، أو الإصابة ببعض الأمراض([20]).
    ونتيجة لهذه الضخامة غير المعتادة فيلحق الإنسان بعض الأذى النفسي من مشاهدة الآخرين لثديه المتضخم.
    أما بالنسبة لحكم هذا النوع من التجميل:
    فيظهر لي أنه وإن كان فيه بعض أذى نفسي إلا أنه يكتنف العملية التجميلية بعض الآثار والأضرار التي قد تمتد لبعض الوقت.
    ومن الأضرار المصاحبة لهذه العملية: التخدير، وحدوث تجمع للسوائل والدم في مكان العملية، وحدوث التهابات موضعية تحتاج إلى وقت للمعالجة، واحتمال وجود ندبات تشوه منظر الثدي([21])، ثم خطورة العملية ذاتها وتفويت بعض الواجبات العبادية في الصلاة، وكذلك الأموال الكبيرة التي تصرف في أمثال هذه العمليات وغير ذلك.
    وكون الرجل يختلف عن المرأة في الحاجة إلى إظهار القوام المعتدل، فما لم تصل الحالة إلى درجة الإحراج والأذى النفسي الكبير، وذلك لبروز الثدي بصورة غير معتادة([22])، فالمنع في نظري أقرب، لعدم مسيس الحاجة لهذه العملية ولما يترتب عليها من أضرار، وكذا لو وصل الأمر إلى درجة الأذية الجسدية، فهنا يخرج الأمر من كونه تحسينيا وتجميليا إلى أن يصبح الغرض هو العلاج وإزالة الأذى فيجوز، والله أعلم.
    3- الدافع الثالث لجراحة تجميل ثدي الرجل:
    تصغيره ليتناسب مع الجسم خاصة إذا أزيل الثدي الآخر لأجل إصابته بمرض سرطان ونحوه.
    وحكم هذا النوع من التجميل في نظري: المنع، لأنه يدخل في التحسين والتجميل مع ما يكتنف العملية من أضرار وآثار كثيرة سبق ذكر بعضها، ولأن ثدي الرجل غالباً لا يكبر ويبرز كثدي المرأة فلا يحتاج لهذه العملية إلا من باب التحسين والتجميل، وهو ممنوع لما فيه من تغيير الخلقة المنهي عنها كما قص علينا الله في كتابه العزيز: أن إبليس أخذ على عاتقه أن يأمر أولياءه بأن يغيروا خلق الله: (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ) [النساء: 119]
    إلا إذا كان الأمر يصل إلى درجة التشويه الظاهر الذي ينال الإنسان منه الأذى ويجعله محط أنظار الناس فيمكن أن يقال بالجواز دفعاً لهذا الأذى مع وجوب مراعاة شروط إجراء جراحات التجميل التي مر ذكرها لاحقا، والله أعلم.
    4- الدافع الرابع لجراحة تجميل ثدي الرجل:
    تضخيم الثدي لإبراز العضلات والحصول على شكل متميز طلباً لمقاييس معينة كحال اللاعبين في رياضة كمال الأجسام.
    وحكم هذا النوع من التجميل: التحريم، فيما يظهر لي، والله أعلم لما يأتي:
    1)        قوله تعالى: (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً) [النساء: 119]
    وجه الدلالة:
    أن تغيير خلق الله من أوامر الشيطان لأوليائه فيكون حراماً، ولا شك أن تكبير الثدي تغيير لخلق الله فيكون ممنوعا.
    2)        ولما في هذه الجراحة من آلام وآثار، ولما فيها من التخدير، وبذل الأموال الطائلة فيدخل في الإسراف المنهي عنه شرعاً، والله أعلم.

    المبحث الثاني
    تجميل ثدي المرأة
    وتحته المطالب الآتية:
    المطلب الأول
    تكبير الثدي أو تصغيره للحاجة
    وتحته مسائل:
    المسألة الأولى: إذا كان الثدي صغيراً بشكل غير عادي:
    إذا ولدت المرأة بثدي صغير أو أصيب بحادث أو مرض فصار ثديها صغيراً بشكل غير طبيعي، وأصبح ذلك مؤذياً لها على اعتبار أن ثدي المرأة أحد مكونات جمالها الطبيعي وصغره يشوه منظرها.
    فيظهر لي- والله أعلم- أن تكبير الثدي في هذه الحالة جائز لما يلي:
    1)        عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار"([23]).
    وجه الدلالة:
    أن صغر الثدي يسبب ضرراً نفسياً للمرأة، وفيه تشويه لمنظرها، والضرر يزال كما هو مقرر عند الفقهاء([24]).
    2)        أن صغر الثدي هنا وضع غير طبيعي للمرأة، وعلاجه بالتكبير إنما هو من باب العودة لوضعه الطبيعي وليس ذلك من باب التحسين وتغيير الخلقة، ولا بد في هذه الجراحة وغيرها من التأكد من توفر شروط إجراء جراحة التجميل التي ذكرناها سابقا.
    ويلحق بهذه الحالة في الحكم -والله أعلم- ما إذا كان ثدي المرأة متضخمة بصورة غير معهودة لخلل هرموني وليس عليها في ذلك ضرر جسدي، وإنما هو ضرر معنوي ناتج عن تشويه منظرها وظهورها بغير الوضع الطبيعي لسنها وهيئتها.
    تنبيه: لا بد في هذه الجراحة وغيرها من جراحات التجميل من التأكد من توفر شروط إجراء جراحة التجميل التي تقدم ذكرها في هذا البحث([25]).
    المسألة الثانية: إذا كان الثدي متضخماً:
    إذا كان الثدي متضخماً حيث يؤدي إلى إجهاد العنق والعمود الفقري والكتفين مما يسبب الألم وزيادة التعرض وتهيج الجلد، فيجرى للمرأة عملية جراحية تستهدف تصغير الثدي وإرجاعه إلى حالته الطبيعية قبل التضخم.
    ويظهر -والله أعلم- أن إجراء عملية تصغير الثدي -إذا توفرت شروط إجراؤها- جائزة دفعاً للضرر الواقع على هذه المرأة في هذه الحالة، ولأن هذه العملية داخلة في معنى العلاج وإرجاع حالة المرأة إلى وضعها الطبيعي فتكون العملية مشروعة، والله أعلم.
    المسألة الثالثة: إعادة بناء الصدر بسبب استئصال الثدي المصاب بالسرطان:
    إذا استؤصل ثدي المرأة لغرض علاجي كإصابته بمرض السرطان فإن منظر صدر المرأة يكون في بعض الأحيان مشوهاً ومؤذية لها، فربما احتاجت إلى عملية إعادة بناء الصدر.
    ومن المعلوم أن استئصال الثدي من الصدر يترك أثراً مؤذياً لنفسية المرأة، وخاصة إذا كانت شابة أو قريبة من سن الشباب.
    وصف عملية إعادة بناء الصدر:
    تجرى هذه الجراحة إما للعيوب الخلقية التي تؤدي إلى عدم تطور الثدي نهائياً في سن البلوغ أو نتيجة استئصال الثدي لعلاج الأورام السرطانية. وفي حالة الأورام السرطانية يتم تحديد البروتوكول الملائم لكل مريضة بعد مناقشة طبيب وجراح الأورام للوصول إلى برنامج العلاج المتكامل لذات المريضة. ويمكن إعادة بناء الثدي باستخدام نسيج ذاتي من أسفل البطن أو الأرداف أو باستخدام ممدات صناعية. وهناك العديد من العوامل المؤثرة في هذا النوع من العمليات من حيث تحديد التوقيت الملائم لإجراء الجراحة ونوع الجراحة ومدى تأثر العملية بمتابعة الورم بعد استئصاله وغيرها من العوامل التي يجب دراستها قبل تحديد العلاج الأمثل([26]).
    ويلاحظ أن عملية إعادة بناء الصدر محفوفة بمجموعة من المخاطر والأضرار لاسيما أن هذه العملية تستغرق وقتا أطول من غيرها من عمليات جراحة التجميل، وتلزم المريضة البقاء في المستشفى أو على الفراش لوقت أطول من غيرها من جراحات تجميل الصدر.
    فهل يصح إجراء عملية إعادة بناء الصدر في هذه الحالة؟
    الذي يظهر لي- والله أعلم- أنه قد تقابل في هذه المسألة ضرران:
    أحدهما: ما تلقاه المرأة من أذى بسبب التشوه الحاصل في صدرها والذي نشأ بسبب استئصال الثدي مما يسبب لها الأذى النفسي حين يراها الناس على هذه الحال.
    الثاني: ما يترتب على هذه العملية من مضاعفات وأضرار أكثر من غيرها من عمليات جراحات تجميل الصدر كمضاعفات التخدير، وما قد ينشأ عن العملية من التهاب الجروح ونحوها.
    وعند تلمس الحكم الشرعي في هذه المسألة فإننا نوازن بين مصلحة إجراء العملية وبين الأضرار المترتبة على إجرائها، أو ننظر للأضرار المترتبة على بقاء المرأة بهذه الحال وبين العذر الناتج عن إجراء العملية طبقاً للقواعد التي قررها الفقهاء رحمهم الله، كقاعدة: "اختيار أخف الضررين"، وقاعدة: "يرتكب أهون الشرين لدفع أعظمهما"([27]).
    وينبغي أن يراعى في تقدير المصالح والأضرار ما يلي:
    1-     حجم الأذى الذي سببه استئصال الثدي فإذا كان يسيراً أو محتملاً فلا تجرى العملية.
    2-     النظر في مآل هذه العملية بعد مرور وقت طويل والأضرار المتوقعة مستقبلاً.
    3-     سيدخل للجسم بعض المواد الحية أو الصناعية كالدهون الذاتية والماء والملح والسيليكون السائل أو الجل، فما مدى تقبل الجسم لهذه المواد وما مدى تعامل جسم المرأة مع هذه الأجسام الطارئة، وهل مصلحة إجراء العملية في هذه الحالة توازي ما تتعرض له المريضة من تضايق وآلام بسبب هذه المواد.
    4-     المبالغ الكبيرة التي تصرف على مثل هذه العملية، هل هي في المقدور بالنسبة للمريضة وأهلها، أم أنها على حساب مصالح أهم.
    5-     مضاعفات التخدير، وما يمكن أن ينتج عن العملية من التهاب للجروح ونحو ذلك.
    فإذا أمكن تلافي هذه الأمور أو غلب على الظن تلافيها وروعيت عند العملية فلا يظهر لي مانع من إجرائها.
    وهذه الحالة تدخل في باب المعالجة وإزالة العيب، وهي وإن كان فيها نوع تحسين وتغيير للخلقة، لكن ليس ذلك هو المقصد الأصلي، بل المقصد ستر العيب وإخفاؤه عن الأعين، وذلك مقصد مشروع، والله أعلم.
    المطلب الثاني
    تجميل ثدي المرأة لغرض الجمال أو التقليد للغير
    فقد يطلب بعض النساء إجراء عملية تجميل للثدي بسبب أنها تريده أصغر أو أكبر من حجمه الطبيعي لتحقق مقاييس جمالية معينة ترد الوصول إليها أو لتقليد امرأة بعينها من الممثلات أو الفنانات أو غيرهن من النساء.
    والحكم الشرعي لتجميل الثدي في هذه الحالة فيما يظهر لي هو المنع لما يأتي:
    1-     أن هذا من تغيير الخلقة المنهي عنه شرعاً لعموم الآية في قوله تعالى: (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً) [النساء: 119]
    ولعموم حديث ابن مسعود: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله"([28]).
    2-     إن عملية التجميل هذه تنطوي على محاذير شرعية ومخاطر وآلام، وليس هناك من داع لها إلا الرغبة في التحسين والتزين وذلك ممنوع شرعاً لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "والمتفلجات للحسن".
    المطلب الثالث
    رفع الثدي لعلاج التهدل الحاصل فيه
    بسبب السن وتكرار الولادة
    عندما يفقد جسم المرأة قوامه ويترهل يبدأ الثديان بالتدلي والترهل أيضاً مما يفقدهما شكلهما وتماسكهما، وتلجأ بعض النساء إلى عملية رفع الثديين إذا حدث لهما ترهل بعد الحمل والولادة والرضاعة، وتُجرى العملية تحت التخدير العام وتستغرق العملية من ساعة ونصف إلى ساعتين، أما كيفية إجراء العملية فهي تختلف باختلاف الشق الجراحي، إلا أن أكثرها انتشارا هي الشق الجراحي المفتاحي، حيث يمكن من خلال هذه الطريقة تصغير قطر الثدي ورفع الحلمة والثدي في وقت واحد. ولا تتطلب هذه العملية استئصال أنسجة من الثدي وإنما تتطلب إزالة سنتيمترات محدودة من الجلد، ولذلك يبدو الثدي بنفس الحجم، إلا أنه أكثر تماسكاً([29]).
    الآثار الجانبية والمضاعفات:
    1-     حدوث تجمعات للسوائل أو الدم تحت الجلد إلا أنها تزول تلقائياً.
    2-     عدم تساوي حجم الثديين نظرا لوجود بعض الاختلاف قبل العملية.
    3-     تلون ندبة الجرح بلون داكن بسبب تعرضها للشمس مباشرة بعد العملية.
    4-     نقص في الإحساس بالحلمتين لمدة من الزمن، ويعود الإحساس بعد ذلك إلى حالته الطبيعية بعد عدة أشهر وقد يكون هذا التغير دائماً في حالات نادرة فقط.
    أما بالنسبة للحكم الشرعي لهذه الحالة، فالذي يظهر لي: أن حصول التهدل لثدي المرأة في حالة تقدم العمر وتكرر الولادة هو الأمر الطبيعي الذي يمر على أغلب النساء، وعدم تهدل الثدي هو أمر غير معتاد، وبالتالي فتكون عملية رفع الثدي هنا من باب التحسين وطلب تعديل القوام، بل ربما كان إجراء هذه العملية من باب التدليس والخداع لتظهر المرأة الكبيرة بمظهر الشابة الصغيرة. وهو نفس المعنى الذي ورد فيه النهي عن التفلج في قوله صلى الله عليه وسلم: "المتفلجات للحسن المغيرات خلق الله"([30])، والمعنى هو: التدليس وإظهار صغر السن بتغيير الخلقة الأصلية تغيراً مبالغاً فيه([31]).
    وبالتالي فيكون إجراء عملية التجميل في هذه الحالة داخلاً في المنع للمعنى الذي ذكرناه سابقاً.
    إلا إذا كان تهدل الثدي مرضياً وغير طبيعي لمثل سن المرأة، فعند ذلك يجوز لها معالجة هذا التهدل بشرط ألا تؤدي العملية إلى ضرر أكبر والله أعلم.
    المطلب الرابع
    حكم الوشم الطبي لتحديد منطقة حلمة الثدي
    قد يحتاج في بعض حالات بناء الثدي إلى الوشم الطبي لتحديد منطقة حلمة الثدي ومن المعلوم أنه قد ورد النهي عن الوشم كما في حديث ابن مسعود: "لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله"([32]). ولأن الوشم تغيير للخلقة طلباً للحسن والتجمل.
    لكن هل يجوز الوشم الطبي في مثل حالة بناء الصدر لتحديد حلمة الثدي؟
    الذي يظهر لي- والله أعلم- أن العملية إذا كانت جائزة أصلاً ومشروعة فالوشم وإن كان منهياً عنه في الأصل لكنه يفعل هنا للحاجة وهو من باب العلاج لا من باب التحسين الزائد عن أصل الخلقة، والمقصود أن تعود هيئة الصدر إلى حالة مشابهة للحالة الأصلية فيكون الوشم الطبي مرخصاً في فعله، والله أعلم.

    الخاتمة
    توصلت في هذا البحث إلى نتائج، أهمها:
    1-     يجوز تجميل ثدي الرجل بتصغيره لضخامته غير المعتادة إما بسبب السمنة أو بزيادة تركيز الهرمونات في الجسم أو نتيجة لاستخدام بعض الأدوية أو الإصابة ببعض الأمراض فيلحق الإنسان بعض الأذى النفسي من مشاهدة الآخرين لثديه المتضخم.
    2-     تصغير الثدي ليتناسب مع الجسم خاصة إذا أزيل الثدي الآخر لأجل إصابته بمرض السرطان لا يصح لكون الرجل لا يتأذى من ذلك كالمرأة إلا إذا وصل الأمر بتشوهه درجة الأذى النفسي فيجوز عندئذ.
    3-     يحرم تضخيم الثدي لإبراز العضلات والحصول على شكل مميز يشابه اللاعبين في رياضة كمال الأجسام.
    4-     يجوز تجميل ثدي المرأة لوجود عيب أو مرض أو حاجة ككونه صغيراً بشكل غير عادي لحادث أو لمرض ونحو ذلك.
    5-     يجوز إعادة بناء الصدر بسبب استئصال الثدي المصاب بالسرطان.
    6-     تجميل ثدي المرأة لغرض الجمال أو التقليد للغير فلا يجوز.
    7-     يصح صنع الوشم الطبي لتمديد منطقة حلمة الثدي.

    المصادر والمراجع
    _           القرآن الكريم.
    _           ابن حنبل: أحمد، المسند، دار الفكر- بيروت.
    _           القشيري: مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، اعتنى به: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
    _           النووي: يحي بن شرف، شرح الأربعين النووية، دار البيان.
    _           المنذري: مختصر صحيح مسلم بتحقيق الألباني، نشر المكتب الإسلامي- بيروت.
    _           السيوطي: جلال الدين، الأشباه والنظائر، مطبعة الحلبي- مصر.
    _           الشنقيطي: محمد المختار، أحكام الجراحة الطبية، دار الصديق- الطائف.
    _           علي محيي الدين القرة داغي، علي يوسف المحمدي، فقه القضايا الطبية المعاصرة، دار البشائر الإسلامية- بيروت.
    _           النتشه: محمد عبد الجواد، المسائل الطبية المستجدة، سلسلة إصدارات دار الحكمة- بريطانيا.
    _           الجرعي، أحكام الإذن الطبي، مجلة الحكمة عدد29 لعام1425.
    _           جمعة، د. جمال: الجراحة التجميلية، سنة النشر1427هـ، بدون ذكر دار النشر.
    _           الزائدي: مصطفى محمد: الجراحة التجميلية.
    _           الدعاس: عزت عبيد، القواعد الفقهية مع الشرح الموجز، دار الترمذي- بيروت.
    _           مرجع من الإنترنت: http://www.samirabbas.2-4htm.
    _           الندوي: علي أحمد، القواعد الفقهية، دار القلم- دمشق، ط1، 1406هـ.
    _           العجلان: عبد الله بن عبد العزيز، القواعد الكبرى في الفقه الإسلامي، ص89، مطابع طيبة- الرياض.
    _           عبد المحسن: عبد العزيز بن فهد، جامع الفتاوى الطبية، دار القاسم- الرياض ط1- 1425هـ.





    ([1])  أستاذ مشارك بجامعة الملك خالد.
    ([2]) علي محيي الدين القرة ياغي، وعلي يوسف المحمدي، فقه القضايا الطبية المعاصرة، ص35، دار البشائر الإسلامية، بيروت.
    ([3])  انظر: النتشة: محمد عبد الجواد، المسائل الطبية المستجدة، ص260، سلسلة إصدارات دار الحكمة- بريطانيا.
    ([4])  الدعاس: عزت عبيد، القواعد الفقهية مع الشرح الموجز، ص45، دار الترمذي- بيروت.
    ([5])  انظر: المسائل الطبية المستجدة، مرجع سابق، ص260.
    ([6])  انظر: القرة داغي، والمحمدي، فقه القضايا الطبية المعاصرة، مرجع سابق ص531.
    ([7]) انظر: الشنقيطي، أحكام الجراحة الطبية، ص235، الجرعي، أحكام الإذن الطبي، ص52، مجلة الحكمة العدد19.
    ([8])  انظر: القرة داغي، والمحمدي، فقه القضايا الطبية المعاصرة، مرجع سابق ص533.
    ([9])  الندوي، علي أحمد، القواعد الفقهية، ص306، دار القلم- دمشق.
    ([10])  انظر: القرة داغي، والمحمدي، فقه القضايا الطبية المعاصرة، مرجع سابق ص533.
    ([11])  العجلان: عبد الله بن عبد العزيز، القواعد الكبرى في الفقه الإسلامي، ص89، مطابع طيبة- الرياض.
    ([12])  انظر: القرة داغي، والمحمدي، فقه القضايا الطبية المعاصرة، مرجع سابق ص533.
    ([13])  شبير، محمد عثمان، أحكام جراحة التجميل، ص72، مكتبة الفلاح بيروت.
    ([14])  انظر: جمعة، د. جمال، الجراحة التجميلية، ص15، سنة النشر 1427هـ- بدون ذكر دار النشر.
    ([15])  انظر: ص208 من هذا البحث.
    ([16])  ينظر في هذا إلى مبحث حكم التداوي، الجرعي، عبد الرحمن، أحكام الإذن الطبي ص32 مجلة الحكمة، عدد29، لعام1425.
    ([17])  الألباني: محمد ناصر الدين، صحيح الجامع 1/565، المكتب الإسلامي- بيروت.
    ([18])  القشيري، مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم 4/1730، دار إحياء التراث العربي- بيروت.
    ([19])  أخرجه أحمد 1/313، وقال عنه الإمام النووي: حديث حسن، وله طرق يقوي بعضها بعضاً. انظر: النووي شرح الأربعين النووية ص74.
    ([20])  انظر: جمعة، الجراحات التجميلية، ص15، مرجع سابق.
    ([21])  الزائدي، مصطفى، الجراحة التجميلية ص18.
    ([22])  عبد المحسن عبد العزيز بن فهد، جامع الفتاوى الطبية دار القاسم- الرياض ط1، 1425هـ.
    ([23])  سبق تخريجه ص213.
    ([24])  السيوطي، جلال الدين، الأشباه والنظائر، ص83، مطبعة الحلبي مصر.
    ([25])  انظر: ص209 من هذا البحث.
    ([26])  http://www.samirabbas.net/hp12-4.htm.
    ([27])  العجلان، القواعد الكبرى في الفقه الإسلامي ص87-88.
    ([28])  المنذري، مختصر صحيح مسلم بتحقيق الألباني، رقم1386، ص367، نشر المكتب الإسلامي- بيروت.
    ([29])  الزائدي: مصطفى محمد، الجراحة التجميلية ص14.
    ([30])  سبق تخريجه ص220.
    ([31])  شبير، أحكام التجميل، ص52، وقد نقل هذا المعنى عن جماعة من الفقهاء.
    ([32])  سبق تخريجه ص220.

    جديد قسم : طب

    اعلان منتصف الموضوع