التنقل السريع


    زراعة ونقل الأعضاء
    بسم الله الرحمن الرحيم
    تقديم:
    الحمد لله الذى كرَّم الإنسان تكريمًا مطلقًا- حيًّا وميتًا-، والصلاة والسلام على الرسول الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
    فإن تقدم الطب، وتطور العمليات الطبية فى عمليات نقل الأعضاء وزرعها فى جسد إنسان آخر، وإلحاح الضرورات والحاجات الإنسانية، أظهرت مدى الحاجة إلى تعاون الإنسان مع أخيه الإنسان، وبخاصة حين يكون إنقاذ حياة الإنسان متوقفًا على تبرع بالدم أو بالعضو من دون إلحاق ضرر بالمتبرع.
    لكن مع العلم بأن الفقه الإسلامى القديم، والقانون الوضعى، والاتفاقية الأوربية، ومنظمة الصحة العالمية متفقة كلها على عدم مشروعية البيع أو المعاوضة على شىء من أعضاء الإنسان، سدًا لباب الذرائع، خلافًا لما نشاهده من طوابير فى الهند لبيع الكلية، وحتى لا يفتح الباب أمام المتاجرة بالأعضاء، كالكُلْية ونحوها مما يتعدد فى جسم الإنسان، والمسألة محصورة فى التبرع بالعضو حيث لا ضرر على الإنسان بالتنازل عن أحد أعضائه تبرعًا.
    ومنع المتاجرة أو بيع أحد الأعضاء محظور شرعًا؛ لأن الإنسان لا يملك أعضاءه أو جسمه؛ وإنما الجسم الإنسانى مملوك لله- تعالى- الخالق، فيكون كل عضو إنسانى حقًا من حقوق الله- تعالى-، فليس للإنسان التنازل عنه بعوض مشروط؛ وإنما العضو أمانة عند الإنسان، فما ضوابط التبرع؟
    والبحث يتناول محورَيْن:
    المحور الأول: انتفاع الإنسان بأحد أعضاء إنسان آخر.
    المحور الثانى: انتفاع الإنسان بعضو منقول من حيوان.
    المحور الأول: انتفاع الإنسان بأحد أعضاء إنسان آخر:
    تعريفه، وآراء العلماء فى شأنه سواء أكان الإنسان حيًّا أم ميتًا، وبيان الرأى الراجح، وشروط المتبرع بعضوه، والضوابط الطبية والشرعية لنقل الأعضاء.
    تعريف نقل العضو:
    هو أخذ عضو من إنسان حى أو ميت، فيه مقومات الحياة الخلوية، وزرعه فى جسد إنسان آخر، وهو أهم أنواع النقل والزرع.
    وللعلماء فى حكمه رأيان:
    1. رأى أغلب الفقهاء القدامى.
    2. رأى جماعة من المعاصرين.
    أما الرأى الأول للجمهور: فهو يعتمد على المبدأ الشرعى المعروف، وهو أن الإنسان لا يملك التصرف بأجزاء أو أعضاء جسده- لا تبرعًا ولا معاوضة لأن الإنسان مملوك لله- تعالى- خالقه، لا لأحد سواه،  وذلك دليل واضح على أنه لا يجوز اقتطاع عضو أو جزء من عضو لغرسه فى جسد إنسان آخر للعلاج أو غيره.
    وأما الرأى الثانى للمعاصرين: فهو يجيز النقل والزرع للضرورة أو الحاجة أو المصلحة المتعينة، وبناء عليه قرر الفقهاء القاعدة المشهورة، وهى: "الضرورات تبيح المحظورات"([4])، وقاعدة: "الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة- عامة كانت أو خاصة-"([5])، والمراد بكونها عامة: أن يكون الاحتياج شاملاً جميع الأمة، والمراد بكونها خاصة: أن يكون الاحتياج لطائفة منهم كأهل بلد أو حرفة([6]).
    ويؤيد هذا الاتجاه قول الشافعية فى الأصح: إنه يجوز قطع المضطر عضوًا من غيره لإنقاذ نفسه من الهلاك([7]).
    أدلة الفريقين:
    استدل المانعون بما يأتى:
    1. يحرم تشويه جسد الإنسان وتقطيع أعضائه، حفاظًا على حياته، ودرءًا من احتمال تعرضه للهلاك
    2. احتمال وقوع المتبرع فى الضرر كثيرًا أو غالبًا، والنبى r قال: (لا ضرر ولا ضرار)([9])، والقاعدة الشرعية هى: "درء المفاسد أولى من جلب المنافع"([10]).
    3. نقل العضو وزراعته فى جسد إنسان آخر يشتمل على إيذاء المتبرع،
    4. نقل العضو حال الحياة يؤدى إلى التمثيل بالمتبرع، وقد نهى النبى r عن المُثْلة بقوله فى وصاياه لأمراء جنده: (ولا تمثّلوا)([12]).
    5. إن بَتْر العضو الإنسانى ونقله إلى غيره يمس كرامة الإنسان الحى أو الميت،  وقال النبى- عليه الصلاة والسلام-: (كسر عظم الميت ككسره حيًّا فى الإثم)([14]).
    واستدل المجيزون– كما تقدم – بقواعد مشروعية الضرورة أو الحاجة أو رعاية المصلحة، بشرط تحقق المصلحة ومنع الضرر وتجنب المفسدة ورجوح المصلحة عليها، ولم يكن فى نقل العضو والزرع إلقاء بالنفس إلى التهلكة.
    ويتصور إمكان النقل وسلامته بين الفريقين فى حال كون الإنسان مهدَر الدم كالحربى، أو صدر حكم على إنسان بالقصاص، وحان وقت تنفيذ الحكم عليه، وللعلماء رأيان فى حال شق بطن الميت إذا ابتلع جوهرة، المالكية والحنابلة يمنعون ذلك عملاً بحديث كسر عظم الميت، والحنفية والشافعية يجيزون ذلك حفاظًا على المال([15]).
    المناقشة والترجيح:
    نوقشت أدلة المانعين بأن نقل العضو وزراعته فى جسد إنسان آخر، ليس فيه إلقاء النفس إلى الهلاك، فإن وجد ذلك منع، واحتمالات الضرر موهومة، والمصلحة بالنقل والزرع مظنونة، ويقدم المظنون على المتوهم.
    وأما الوقوع فى التشويه والتمثيل والعبث بالإنسان، فيكون بعد الموت، أما فى حال الحياة، فتراعى القواعد الطبية المعروفة والمتطورة بإعادة الجسد إلى ما كان عليه من الحال الأصلية، فلا ضرر عليه، ونقل عضو خفى كالكُلْية مثلاً لا تشويه فيه، وإيلام المنقول منه لا يحصل لاستخدام التخدير، والمصلحة فى النقل متحققة غالبًا إذا تقبل جسم المنقول إليه العضو الغريب عنه.
    ونوقشت أدلة المجيزين بأن أدلة العمل بالضرورة فى آيات القرآن مقصورة على المطعومات، كما هو واضح منها، وليس فيها تصريح بقطع عضو ونقله إلى آخر، ويجاب عليه بأن حالة الضرورة عامة شاملة، فلا تقتصر على المطعوم والمشروب، وتدرأ المفسدة إذا ثبت وقوعها، والمصلحة غالبة بنقل العضو إلى آخر دون إضرار، لاسيما فيما إذا كان المنقول منه تحقق موته بتقرير الأطباء الثقات.
    أمام هذه المناقشة لرأى الفريقين يترجح لى قول المجيزين، عملاً بأصول الضرورة أو الحاجة العامة المتعينة، والقاعدة المتقدمة تقول: "الضرورات تبيح المحظورات"؛ لأن إنقاذ حياة إنسان أولى وأفضل من تركه معرضًا للموت أو فقد البصر، مثل نقل قرنية العين أو إحدى الرئتين عند الإشراف على الموت أو حالة إهدار الدم، أو التأكد من القصاص من الجانى القاتل عمدًا، أو نقل الكلية من الحى إلى آخر هو بأشد الحاجة لإنقاذه من الموت.
    ففى هذه الأحوال وأمثالها تتحقق مصلحة راجحة، وليس فى النقل كسر عظم ولا تشويه للحى أو الميت، لتقدم العمليات الطبية الحديثة، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على سلامة الحى، ولا ضرر يلحق بالميت، ولا تمثيل به، بسبب وجود مصلحة راجحة فى النقل والزرع.
    شروط المتبرع:
    تشترط الشروط الآتية:
    1. أن يكون المتبرع كامل الأهلية، أى بالغًا عاقلاً رشيدًا.
    2. أن يتم النقل برضاه، أو إذنه الصريح أو الضمنى حال الحياة، أو بوصية بعد الموت، أو بإذن أوليائه أو قرابته بترتيب العصبات: "البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة، ثم العمومة".
    3. أن لا يترتب على نقل العضو ضرر محقق أو مظنون، وأن لا تتعرض حياته للخطر؛ لأن التبرع بالأعضاء بقصد التعاون والتكافل مرهون بمراعاة الأولويات، ولاشك بأن المتبرع أولى برعاية مصلحته من المتبرع له؛ لأن الإنسان مطالب شرعًا برعاية مصلحته الذاتية أولاً كما فى حال النفقة مثلاً، ثم رعاية مصلحة غيره.
    4. أن يكون القصد من النقل والزرع تحقيق مصلحة علاجية، ومن غير بيع أو متاجرة، لعدم جواز المعاوضة لأجزاء الإنسان، فإن بادر المتبرع إليه بتقديم مبلغ للمتبرع على سبيل الإحسان والوفاء بالمعروف دون مشارطة، فيجوز للمتبرع الأخذ، عملاً بالمبدأ الأخلاقى الإسلامى، وهو: "من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له" كما ثبت فى السنة النبوية([16]).
    5. أن لا يكون هناك ضرر محقق أو مظنون على صحة المتبرع، وأن لا تتعرض حياته للخطر؛ لأن التبرع بالأعضاء مرغوب فيه بقصد التعاون والتكافل، على أن لا يكون سببًا فى الضرر.
    ذكرت لجنة الإفتاء بالسعودية هذه الشروط، ونصت على ما يأتى: "إن نقل عضو حى صحيح سالم برضا صاحبه، وتبرعه، لإنقاذ مريض ميئوس من شفائه إلا بزرع ذلك العضو من باب الإحسان وعمل الإيثار على النفس"([17]).
    واشتمل قرار مجمع الفقه الإسلامى– جدة رقم: 24 "12/ 3"- على ما يلى- فى الفقرة السادسة من الأحكام الشرعية-:
    "يجوز نقل عضو من ميت إلى حى تتوقف حياته على ذلك العضو أو تتوقف وظيفة أساسية فيه على ذلك، بشرط أن يأذن الميت قبل موته، أو ورثته بعد موته، أو بشرط موافقة ولى أمر المسلمين إن كان المتوفى مجهول الهوية، أو لا ورثة له".
    وتضمنت الفقرة السابعة ما يلى:
    "وينبغى ملاحظة أن الاتفاق على جواز نقل العضو فى الحالات التى تم بيانها مشروط بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو، إذ لا يجوز إخضاع الإنسان للبيع بحال ما".
    وهذا يتفق مع قرار المجمع الفقهى الإسلامى– مكة المكرمة الدورة الثامنة-.
    أما بذل المال من المستفيد، ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأةً، أو تكريمًا، فمحل اجتهاد ونظر.
    وأرى أنه قياسًا على ما أفتى به جماعة معاصرون من مشروعية التبرع بالدم أو بشرائه من بنك الدم فى الوقت الحاضر، إذا لم تجز المعاوضة المشروطة، فلا مانع للمستفيد أن يبادر إلى منح المتبرع مبلغًا من المال، على سبيل الهبة أو الهدية، من غير قصد معاوضة، ولا دخول فى المساومة؛ ففى حال التبرع بالدم- حيث لا يمكن فى الغالب الحصول على الدم فى أثناء العمليات الجراحية إلا بشراء الدم- فهذا يكون جائزًا للضرورة المتعينة أو الحاجة الملحَّة، وبه أفتى بعض المفتين والأساتذة.
    وجاء أيضًا قرار من المجمع الفقهى فى مكة المكرمة نصه:
    رأى المجلس أن استدلالات القائلين بالجواز هى الراجحة؛ ولذلك انتهى المجلس إلى القرار التالى:
    أولاً: إن أخذ عضو من جسم إنسان حى، وزرعه فى جسم إنسان آخر مضطر إليه لإنقاذ حياته أو لاستعادة وظيفة من وظائف أعضائه الأساسية، هو عمل جائز، لا يتنافى مع الكرامة، بالنسبة للمأخوذ منه؛ كما أن فيه مصلحة كبيرة، وإعانة خيِّرة للمزروع فيه، وهو عمل مشروع وحميد، إذا توافرت فيه الشرائط التالية:
    1. أن لا يضر أخذ العضو من المتبرع به ضررًا يخل بحياته العادية؛ لأن القاعدة الشرعية أن: "الضرر لا يزال بضرر مثله ولا بأشد منه"؛ ولأن التبرع حينئذ يكون من قبيل الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وهو أمر غير جائز شرعًا.
    2. أن يكون إعطاء العضو طوعًا من المتبرع دون إكراه.
    3. أن يكون زرع العضو هو الوسيلة الطبية الوحيدة الممكنة لمعالجة المريض المضطر.
    4. أن يكون نجاح كل من عمليتى النزع والزرع محققًا فى العادة أو غالبًا.
    تبرع الميت للحى:
    يتم تبرع الشخص الميت قبل موته إلى حى فى عدة حالات، منها الوصية: أى وصية المتوفى بإجراء ذلك.
    نصت المادة الثانية من مشروع "القانون العربى الموحد" لعمليات زرع الأعضاء البشرية، المقترح من اللجنة الفنية فى مجلس وزراء الصحة العرب، بجلسته المنعقدة عام 1986م على ما يلى:
    "لا يجوز للشخص أن يتبرع أو يوصى بأحد أعضاء جسمه، ويشترط فى المتبرع أو الموصى أن يكون كامل الأهلية قانونًا، ويكون التبرع أو الوصية صادرين بموجب إقرار كتابى موقع منه بذلك".
    ونص قرار مجمع الفقه الإسلامى بجدة رقم: 26 "1/ 4" فى الفقرة الثالثة من الأحكام الشرعية على ما يلى:
    "تجوز الاستفادة من العضو الذى استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر، كأخذ قرنية العين لإنسان ما، عند استئصال العين لعلة مرضية".
    ونص القرار أيضًا: لضرورة شرعية على جواز زرع أعضاء الجهاز التناسلى التى لا تنقل الصفات الوراثية، ماعدا العورات المغلظة، ويحرم زرع الغدد التناسلية "الخُصية والمبيض" لحمل وإفراز الصفات الوراثية "الشفرة الوراثية".
    ويحرم أيضًا نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب، أو تتعطل وظيفة أساسية للعضو، كنقل قرنية العينين كلتيهما.
    وبناء عليه، يجوز نقل بعض أعضاء إنسان لآخر كالقلب والعين إذا تأكد الطبيب المسلم الثقة العدل من موت المنقول عنه؛ لأن الحى أفضل من الميت، وتوفير البصر أو الحياة لإنسان مطلوب شرعًا([18]).
    ضوابط نقل الأعضاء طبًّا وشرعًا:
    تجب مراعاة القواعد الآتية فى مجال الطب والشريعة، وهى:
    أولاً: على الطبيب إجراء الفحوص الطبية اللازمة المعتادة لكل من المتبرع والمتبرع له؛ وكذلك التصاوير والتحاليل والتنظيرات المطلوبة، ليطمئن لسلامة العملية، ومنع رفضها من جسد المنقول إليه العضو بقدر الإمكان، ومراعاة زمرة الدم.
    ثانيًا: مراعاة القاعدة العامة، وهى حرمة الجسد البشرى.
    ثالثًا: أن لا يلجأ الطبيب إلى عملية الغرس أو الزرع إلا للضرورة أو الحاجة العلاجية، بأن يكون الزرع فى ذات الجسم تحقيقًا لمصلحة أولى، وهى حفظ التكامل الجسدى.
    رابعًا: أن لا يترتب على القطع ضرر جسيم أكبر من المصلحة المتحققة.
    خامسًا: زراعة الأعضاء مقصورة كما تقدم على حالة الضرورة أو الحاجة الشديدة.
    سادسًا: أن لا يكون العضو المنقول مما تتوقف عليه الحياة.
    سابعًا، وثامنًا: أن يتعين إجراء الزرع دون وجود بديل آخر، وأن يتحقق نجاح عملية الزرع والنزع بحسب المعتاد أو غالبًا.
    المحور الثانى: انتفاع الإنسان بعضو حيوان:
    تعريفه: هو نقل عضو من حيوان إلى إنسان- سواء أكان الحيوان طاهرًا أم نجسًا، مأكول اللحم أم غير مأكول اللحم.
    وفى غير مأكول اللحم احتمالان: إما أن يكون الحيوان حيًّا أو ميتًا([19]).
    أما حكم الحال الأولى– وهى أن يكون الحيوان حيًّا طاهرًا أم نجسًا فلا اختلاف فى الحكم؛ لأن كل ما أبين من الحى فهو كميتته، فيكون الحكم فى الحالين سواء وهو الحكم بالنجاسة، للحديث النبوى: (ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة)([20]).
    أما حكم نقل عضو من حيوان: فيجوز للمصلحة؛ لأن إنقاذ النفس الإنسانية يشتمل على مصلحة، مقدمة على حفظ المال فى ترتيب مقاصد الشريعة، بشروط هى:
    1. وجود حالة إنسان مضطر لإنقاذ نفسه أو عضو من بدنه، ولا يوجد دواء مباح للعلاج؛ لأن النجاسات لا يتداوى بها إلا للضرورة.
    2. أن يتيقن الطبيب- أو يغلب على ظنه- نجاح عملية النقل هذه.
    3. أن لا يؤدى نزع العضو من مكانه إلى إحداث تشويه فى صورة الحيوان أو جسده، ولا إلحاق ألم به إلا بمقدار التحمل؛ لأنه يحرم تعذيب ذات الحيوان بالاتفاق.
    وأما حكم الحال الثانية، وهى كون الحيوان المنتفع به ميتًا:
    أ. فإن كان ميتًا طاهرًا كالسمك والجراد، فيجوز الانتفاع به فى زراعة الأعضاء مطلقًا، كتناول زيت السمك عند الجمهور غير الحنفية؛ لأنه طاهر، لقوله r: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)([21]).
    وأما رأى الحنفية فميتة البحر نجسة، فلا ينتفع بها إلا عند الضرورة أو الحاجة المنزلة منزلة الضرورة أحيانًا.

    ورأى الجمهور أرجح وأوفق لمصالح الناس؛ لأن الإسلام دين اليسر،
    ب. وأما إن كان الحيوان ميتًا نجسًا: فيجوز الانتفاع به تداويًا وغرسًا فى رأى فقهاء المذاهب الأربعة اتفاقًا([24]).
    فقد أجاز محمد بن الحسن- من الحنفية- التداوى بعظم ما سوى الخنزير والآدمى- سواء أكان الحيوان مذبوحًا أم ميتًا لأن الحنفية لا يرون نجاسة عظم الحيوان إلا الخنزير بالموت؛ ولأن العظم لا تحله الحياة.
    وأباح المالكية- فى قول جبر الكسر الحاصل للشخص بعظم ميتة، ويعفى عنه بعدم الالتحام لأن هذا العظم طاهر.
    وقال الشافعية: إن لحم الآدمى لا ينجبر سريعًا إلا بعظم نحو كلب، فيتجه أنه عذر، أى تصح معه الصلاة للضرورة.
    وصرح الحنابلة بأن نجاسة العظم الذى يجبر به نجاسة معفو عنها.
    وأما الحيوان المأكول اللحم المذبوح بالذكاة الشرعية، فيباح الانتفاع بأعضائه تداويًا وغرسًا إن كان فى ذلك مصلحة للإنسان.
    وأما الحيوان غير مأكول اللحم: فيرى الحنفية([25])، أن الذكاة الشرعية تؤثر فيه وتطهره إلا الخنزير وما لا يقبل جلده الدبغ.
    وأما المالكية([26]) فيقولون بطهارة جميع ما ذُكِّى من غير محرم الأكل، بخلاف محرّمه كالحمير والبغال والخيل، فإن الذكاة لا تؤثر فيه، وكذا الكلب والخنزير لا تعمل فيهما الذكاة، فميتة ما ذكر نجسة، ولو ذُكِّى.
    وبه يتبين أن إجراء عملية غرس أعضاء الحيوان غير مأكول اللحم المذكى جائز فى رأى الحنفية، خلافًا لبقية الفقهاء([27]).
    والحاصل: أن المذاهب الأربعة متفقة على إباحة غرس أعضاء الحيوان فى حال الضرورة فى رأى الأكثرين، وعند توافر المصلحة أيضًا فى رأى الحنفية بالضوابط المتقدمة.
    ويؤيد هذا أن الأطباء اتفقوا أيضًا على مشروعية عمليات غرس الأعضاء فى الإنسان؛ لأنه ضرورة ومصلحة للإنسان- سواء بين الأحياء أنفسهم، أو بين الحى والميت، كزرع الكلية، والكبد، والرئتين، والقلب، ونقل قرنية العين؛ لأن مصلحة الحى مقدمة على مصلحة الميت الآيلة أعضاؤه إلى التراب والتفتت.
    ونجاح هذه العمليات الطبية هو بنسبة كبيرة لتقدم الطب، وتطور العمل الجراحى، والإفادة من التخدير، وتقدم الآلات الجراحية.
    والإسلام يصون حق الحياة ما أمكن إذا كانت الوسائل مشروعة؛ حيث لا ضرر على المنقول منه، ويحقق مصلحة للمنقول إليه.
    الخاتمة
    الإسلام دين العلم والعمل ومراعاة حق الحياة لكل إنسان، والأسرة الإنسانية واحدة، يتعاونون فيما بينهم، لإنقاذ حياة المرضى والجرحى والضعفاء.
    فيجوز شرعًا خلافًا لبعض الفقهاء القدامى نقل الأعضاء وزراعتها فى جسد إنسان آخر بضوابط معينة فى حال نقل عضو لا تتوقف عليه الحياة كالقلب، من إنسان إلى آخر للضرورة أو للحاجة العلاجية التى تنزَّل منزلة الضرورة أحيانًا؛ لأن "الضرورات تبيح المحظورات"، و"الحاجة تنزل منزلة الضرورة- عامة كانت أو خاصة-" أى: خاصة بفئة أو أهل حرفة، لا خاصة بشخص فقط؛ ولأن أخلاق الإيثار والتضحية والتعاون على الخير من جملة أخلاق الإسلام ومبادئه العامة؛ ولأن مصلحة الحى مقدمة على مصلحة الميت.
    ويتم النقل بالتبرع والإحسان، لا بالبيع أو المعاوضة سدًا لباب المتاجرة بالأعضاء؛ فإن تم التبرع ترك الأمر للمستفيد فى مقابلة المعروف بمثله ومكافأته على عمله الخيِّر، وإذا تعذر التبرع لضرورة قصوى- كنقل الدم- جازت المعاوضة عملاً بما أفتى به بعض العلماء والمفتين المعاصرين.
    ولابد من الحرص على عدم إلحاق الضرر أو المفسدة بالمتبرع؛ لأنه أولى بالحفاظ على صحته ومصلحته، وأن يكون التبرع بإذن الشخص أو بوصيته أو بإذن وليه، أو بإذن الحاكم عند جهالة الهوية.
    وكذلك يجوز نقل العضو من حيوان طاهر مأكول اللحم مطلقًا، ومن غير مأكول اللحم المذبوح عملاً برأى فقهاء الحنفية، عند وجود ضرورة متعينة، ومن أجل إنقاذ حياة إنسان معرَّض للهلاك أو الموت أو الألم المبرِّح.
    وأكد- مشروعية عمليات نقل وزراعة الأعضاء- جميع الأطباء الجراحين، ووافقت القوانين الوضعية على تلك العمليات بضوابط وشروط تتفق مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية القائمة على اليسر والسماحة والتضحية والإيثار والاعتبارات الإنسانية العامة والخاصة، دون تمييز بين الناس بسبب الدين أو المذهب أو الأصل أو اللون وغير ذلك.
                                                                     أ. د. وهبة مصطفى الزحيلى
                                                                عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق سابقًا                                                               



    جديد قسم : طب

    اعلان منتصف الموضوع