التنقل السريع


    زرع الأعضاء الآدمية

    بسم الله الرحمن الرحيم
    تمهيد:
    من القضايا التى أثارت جدلاً فى النطاق الفقهى والتشريعى والمجتمعى قضية زرع أو نقل أعضاء الإنسان, وقد ترك هذا الجدل وذلك الخلاف أثره على التعامل مع المشكلة حتى استفحلت واستباحت المقدس, وبرزت على السطح باعتبارها من القضايا الملحة التى ينبغى معالجتها والتصدى لمحترفى ارتكابها.. ومما زاد من حدة المشكلة امتداد تداعياتها السيئة حين تغول مافيا هذه التجارة إلى الأطفال؛ خاصة أطفال الشوارع الذين وجدوا فيهم ضالتهم المنشودة بجعل أجسادهم وأعضائهم قطع غيار بشرية يتكسبون من ورائها الكثير والكثير، وتركت هذه الممارسات الشريرة ظلالاً قاتمة على مجمل الحياة المصرية؛ بل والعربية, وهو ما يشهد عليه حالة الضياع الذى تحياه هذه الفئة من المجتمع نتيجة ذلك، ومدى البؤس والشقاء الذى تعانى منه، وهو ما أفرز العديد من المآسى الاجتماعية, حتى شغلت القضية الأذهان وأصبحت تتداول فى قاعات المحاكم بغية القصاص من لصوص البشر الذين لم يتورعوا عن أن يمرغوا القيم الأصيلة المستوحاة من الإسلام فى التراب فى سبيل الإثراء على حساب شرف الإنسان والحط من شأنه بالمخالفة لكل قيم الأديان ومكانة الإنسان خليفة الله- تعالى- وسيد هذا الكون, وهو ما يجعل مسلكهم مؤثمًا لاقترافهم جريمة كبرى ضد الدين والإنسانية إلى الحد الذى يدرجها ضمن جريمة الحرابة, مما يستدعى الإسراع بالتدخل التشريعى المقنن لعمليات النقل ووقف تداعياتها المدمرة على المجتمع بأكمله.
    وربما يعزى سبب ذلك إلى ضعف الوازع الدينى فى تفشى جرائم الخطف والإتجار فى الإنسان، وغياب التقنين المنظم لعمليات زرع ونقل الأعضاء، وعدم تحقيق وتفعيل الضمانات التشريعية المكفولة فى الشريعة للجسم البشرى منذ بدء تكوينه فى بطن أمه التى تحرم الاعتداء عليه بأى صورة، والاعتراف بالشخصية المستقلة للجنين، وتوصيف ذلك على أنه جريمة إجهاض وفرض عقوبة على هذا الجرم ضد الطفولة فى مراحلها المبكرة, وليس المقصود بحث حكم هذا الجانب من الموضوع, فقط أردنا أن نشير إلى الآثار السلبية لعدم تقنين زرع ونقل الأعضاء.
     أما على جانب إجراء العمليات الطبية والجراحية بغرض نقل وزرع الأعضاء البشرية, فالكثير منها يتم عن طريق حرام وغير مشروع، والواقع أن إصدار حكم على زرع ونقل الأعضاء  يقتضى توصيف القضية بأبعادها التى تجرى بها، ويتطلب بيان طبيعة النقل ودور الناقل والمنقول منه والعضو أو الأعضاء المراد زرعها, فى ظل ما وصلت إليه العملية من التقنية والتطور فى إجراء عمليات النقل التى لم تكن معروفة فى العصر الإسلامى الأول بكل ما أفرزه العصر الحديث من تقنية وتطور، وما وصل إليه التقدم الطبى المعاصر من استحداث وسائل علاجية تحاكى الفطرة الإلهية وتسير على منوالها باعتبار دقة الصنعة وطلاقة القدرة الربانية؛ ونظرًا للتحول الذى طرأ على تفكير الفرد، وسعيه إلى الاستفادة بالمنجزات الطبية الحديثة فى العلاج وحب الحياة والتعلق بمتاعها, بالنظر إلى ما أسفرت عنه الطفرة الهائلة فى المجال الطبى بما أتاحته للإنسان من طرق للعلاج والاستشفاء لم تكن معروفة من قبل، وربما لم يكن يتخيلها العقل حتى وقت قريب.
     ويمكن القول- على هدى ذلك- أن القضية حادثة غير نمطية ولا تقليدية, ومن ثم فهى ليست من الأمور التى يحكمها نصوص قطعية؛ وإنما هى قضية- برمتها- اجتهادية مصلحية، تقبل التعددية فى الرأى، والتباين فى الحكم, ويتأسس الرأى فى القضية على حرمة جسد الإنسان، وكرامة الآدمى، وخروج جسم الإنسان عن دائرة التعامل, وفى المقابل رعاية مصلحة الإنسان وإجازة العلاج والتداوى لإنقاذ حياته.
    وفى هذا السياق، فإن البحث فى الموضوع يدور حول النقاط الآتية:
    1. مفهوم زرع الأعضاء.
    2. حكم التداوى بالدم.
    3. حكم تشريح الجسد البشرى.
    4. الحكم الفقهى لزرع الأعضاء الآدمية.
    5. نقل الأعضاء من شخص على قيد الحياة إلى شخص مريض محتاج لذلك.
    6. نقل الأعضاء من شخص ميت إلى شخص مريض بحاجة إليها.
    وذلك ببيان الرأى الشرعى وتقديم الحلول الفقهية فى القضية المطروحة.
    مفهوم زرع الأعضاء:
    يقصد به: نقل عضو آدمى من جسد إنسان إلى آخر، باستخدام الأصول الطبية بغرض العلاج والاستشفاء.
    ومرد ذلك إلى أن الضرورة أو الحاجة قد تقتضى هذا النقل لإنقاذ شخص مريض أو مصاب فى حادثة أو كارثة، وما كان على شاكلة ذلك وشبيهه، مع وجود استعداد لدى شخص سليم يقبل هذا النقل ويرضى به, ويلاحظ أن النقل والزرع مصطلحان مترادفان فى هذا الخصوص قد يغنى ذكر أحدهما عن الآخر, وقد أصبحا عنوانين على هذه العملية.

    وثمة قواعد شرعية تشكل الإطار الحاكم للموضوع نورد البعض منها:
     فى جانب الحظر:
    - عصمة النفس البشرية.
    - حرمة جسد الإنسان.
    - كرامة الآدمى.
    - عدم قابلية الجسد أو الأعضاء البشرية للتعامل المالى.
    فى جانب الإباحة:
    - مشروعية التداوى والعلاج.
    - حفظ النفس البشرية "حق الحياة".
    - الضرورات تبيح المحظورات.
    - الأمور بمقاصدها.
    - الضرورة تقدر بقدرها.
    - الإيثار، على سند من قاعدة: "كل ما ثبت للإنسان حق التصرف فيه، كان له حق الإيثار به".
    - تحقيق أعلى المصلحتين وارتكاب أخف الضررين.
    وتجدر الإشارة إلى أن التعامل فى الأعضاء الآدمية كطريقة للتداوى هو المجال الذى نبحث عن مدى شرعيته؛ إنما يكون بشأن التبرع بأحد هذه الأعضاء لكفالة حياة إنسان آخر؛ تكريمًا وتقديرًا للأخوة الإنسانية وإيثارالمتبرع لغيره بهذا العمل؛ حفاظًا على حياته؛ وإنقاذًا له.
    وعلى هدى ذلك نعرض  للرأى فى مدى مشروعية زراعة الأعضاء, ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى حكم مجمع عليه فى الشريعة الإسلامية يبين تشديد الشريعة على وجوب حماية الجسم البشرى من التلاعب به, بما يؤكد على منحى الإسلام فى إعلاء كرامة الإنسان وحرصه البالغ على مكافحة الإتجار فى الأعضاء البشرية إعلاء وانتصارًا لإنسانية الإنسان.
    المسألة الأولى: تحريم البيع والإتجار فى الجسد الإنسانى. 
    ثمة اتفاق بين الباحثين فى القضية على حظر التعامل فى الجسد الإنسانى أو أعضائه البشرية عن طريق البيع والشراء من حيث إن بيع أى من هذه الأعضاء أو الإتجار بها، أو قصد التربح من ورائها محظور قطعًا؛ إذ الإنسان هو بنيان الرب، والمخلوق المكرم الذى يحرم الشرع أن يكون موضوعًا للصفقات فى أعضائه والتعامل فيها كقطع غيار بشرية، وكسلعة قابلة للتداول والمساومة عليها، فهذا خروج بالإطلاق على قيمة كبرى تلتصق بالإنسان ولا تنفك عنه، وهى الكرامة الآدمية ، وفى الحديث الشريف: (الآدمى بنيان الرب ملعون من هدمه).
    هذا المنحى الإسلامى يشدد على حماية الإنسان باعتبار آدميته المجردة دون تمييز بين إنسان وآخر على أساس الدين أو الجنس أو اللون أوغير ذلك بما يكفل صون النفس الآدمية عن العبث بها، وحفظ الجسد الإنسانى فى عمومه وخصوصه من بعض من استولى عليهم الطمع والجشع فجعلوا الإنسان مادة للتجارة، وسلعة تباع فى الأسواق، وهو ابتذال للإنسان، وزراية به لا يجوز شرعًا؛  وبذلك نمنع ظاهرة أصبحت تطفو على السطح تتمثل فى سرقة الجثث البشرية وبيعها, والإتجار بالدم الإنسانى، وفى بعض أعضاء جسد الإنسان، إلى الحد الذى صارت معه تجارة رائجة، وموردًا للربح، تمتهن فيها أعضاء الفقراء لصالح الأغنياء، وبورصة لهؤلاء السماسرة الذين عاثوا فى الأرض فسادًا وتجعل الآدمى قطع غيار تباع وتشترى فى سوق النخاسة الجديدة فى تجارة الأعضاء، وزراية بالمخلوق الذى شرفه الله بالخلافة فى الكون، وأناط به تنمية الكون وعمران الأرض.
    إن صنيع هؤلاء النفر الذين يستحلون بيع جسم الإنسان، وكذا الدم والأعضاء البشرية ينم عن مسلك غير مشروع، وكسب خبيث وحرام لا يحل المال الناتج عنه، ولا الربح العائد منه؛ 


    المسأله الثانية: حكم التداوى بالدم كوسيلة للعلاج:
    الدم مصدر الحياة فى الجسم البشرى، وباعث القوة، وينبوع الطاقة والحياة فيه, وحكم دم الإنسان أنه ليس طاهرًا، فهو نجس، فيحرم شربه أو التعامل فيه.
    وبحسب الأصل فإنه جزء من الإنسان ينطبق عليه الكرامة الآدمية والحرمة الشرعية؛ لكن بالنظر لحالة الضرورة المتمثلة فى إنقاذ إنسان آخر تسرى القاعدة، ويجوز التداوى بالدم مع أنه نجس، إذا وجدت حالة الضرورة تطبيقًا للقاعدة الأصولية: "ما كان محرمًا لذاته يباح للضرورة" تلك التى تسوغ الخروج على الأصل بأن يكون الشخص فيها على وشك الهلاك، ويتعين استخدام المحرم إنقاذًا لحياته.
    وإنما جاز التداوى بالنجاسات إذا لم يجد طاهرًا يقوم مقامها؛ لأن مصلحة العافية والسلامة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة([4])، ولا تتطابق الحالات التى تسوغ المادة النجسة كالدم أو العضو النجس؛ وإنما تتفاوت تبعًا لأهميتها؛ كما أشار الحموى حيث قال: ههنا خمس مراتب: ضرورة، وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول، "فالضرورة": بلوغه حدًّا، إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، وهذا يبيح تناول الحرام، "والحاجة": كالجائع الذى لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أنه يكون فى جهد ومشقة، وهذا لا يبيح الحرام، ويبيح الفطر فى الصوم([5]). 
    ونخلص من ذلك أن "الضرورة": هى أن يكون الشخص مشرفًا على الموت، والحالة القصوى التى يلحق فيها الضرر بالإنسان؛ لكن حالة المشقة أو الحرج التى تصيب الشخص قد تصلح مسوغًا للتداوى بالنجس أو المحرم، ومرد ذلك قاعدة: "وما كان محرمًا لغيره يباح للحاجة"، وأن "المشقة" تجلب التيسير، وهى تنقسم إلى ثلاثة أقسام: المشقة العظيمة، والمتوسطة، والخفيفة، والمشقة العظيمة هى أعلى أنواع المشقة، وهى ما يحصل بها خوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء، والمشقة المتوسطة، وهى تلى المشقة العظيمة, وهى ما ينشأ عنها زيادة المرض وبطء البرء "الشفاء"([6])، وهى بما تسفر عنه من معاناة ومضاعفات مرضية على الجسد، تبيح العلاج بما هو محرم،.
    يؤيد ذلك حديث عرفجة أنه قُطعت أنفه فاتخذ أنفًا من فضة فأنتن عليه، فأمره رسول الله r أن يتخذه من ذهب؛ مما يجوز زرع الذهب للحاجة أو الضرورة، ومن المقرر: "أن صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان"، وهو ما يبيح التداوى بالدم، ويجعل وسائل الحصول عليه من الأشخاص المتبرعين به عن طريق الجهات الرسمية، واتخاذ التدابير اللازمة لحفظه فى بنوك الدم وما شابهها هو أمر جائز باعتبار أنه يستخدم لإنقاذ نفس إنسانية مهددة بالفناء، فيتحقق بذلك مقصد شرعى يتمثل فى حماية النفس.
    المسألة الثالثة: حكم تشريح الجسد البشرى.
      أسفرت التطورات الحديثة عن الحاجة لتشريح الجسم البشرى لأسباب تتعلق بالصحة والعدالة؛ وحيث إن مقاصد الشريعة تتنوع إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات، فإن الحاجة العامة أو المصلحة الكلية قد تتطلب تشريح جسم إنسان، وفصل أعضائه كلها أو بعضها عن بعض, فقد تقتضى الضرورة أو الحاجة لمعرفة سبب الوفاة أو القتل تشريح جسم الإنسان لأسباب تعليمية أو لإرساء العدالة، وتحرى ظروف الجريمة والكشف عن المجرم، وإحقاق الحق، وهو غاية النظام القضائى فى الشرع الإسلامى ب وعليه فإن سلوك الطريق الموصل إليه يكون مشروعًا لكونه سبيلاً إلى كشف الحقيقة؛ ذلك أن سلوك الوسيلة المشروعة لبلوغ الهدف المشروع, يكون متعينًا على سند الحقيقة، ومن المقرر شرعًا من أن: الوسيلة إلى الواجب واجبة, وإلى المندوب مندوبة، والعدل مقصود فى الشرع مطلوب سلوك وسائله، واتخاذ الطرق الموصلة إليه وتحريها, وهو ما يؤكد عليه ابن قيم الجوزية: فإن الله- سبحانه- أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذى قامت به الأرض والسموات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه- بأى طريق كان- فثم شرع الله ودينه، والله- سبحانه- أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشىء، ثم ينفى ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها.
    بل قد بيَّن- سبحانه- بما شرعه من الطرق، أن مقصوده: إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأى طريق استخرج بها العدل والقسط فهى من الدين، وليست مخالفة له)[9](.
    ومن جهة أخرى، فإن الحاجة إلى تشريح جثة الميت قد تتطلبه مقتضيات التعليم وأصول ممارسة مهنة الطب من حيث وقوف الدارسين على حقيقة الجسم البشرى، والاطلاع على بديع صنع خلق الله، وتناسق أجزائه، ودقة تركيبه، واكتشاف العلاقة بين أعضائه بغرض التعرف على طرق لعلاجه من واقع رؤية تجريبية، وتبصر وبصيرة مهنية، على أساس عملى وممارسة فعلية، فتتحقق الدراية العلمية، وتترسخ الأصول الطبية، وتتجلى الحقيقة فى صورتها الواقعية لا النظرية، ومن ثم يكون التعليم عن تجربة ودراية ومران.
    ولا ينال من ذلك القول بأن التشريح على هذا النحو يجعل جسد الآدمى حقلاً للتجارب، ويمكن أن يكون بديلاً عنه استخدام أى حيوان وتشريح جسده، لبلوغ المتطلبات العلمية والدراية الطبية المشار إليها، فإن ذلك مردود عليه بأن هذا البديل لا يصلح ولا يحقق المقصود، لاختلاف الخصائص وتباين التركيب الجسدى بين الإنسان والحيوان، ولكون التعلم المقصود يتعلق بمعرفة أسرار التركيب العضوى للإنسان؛ توصلاً للحقيقة فيه؛ تمكنًا من تطبيبه وعلاجه، وعلى هدى قاعدة: "إعطاء الأولوية للمصلحة الأعلى"، وهى شرعية العلاج الثابتة بحديث الرسول r: (تداووا عباد الله فإن الله ما أنزل داء إلا أنزل له دواء)([10])، ويدل عليه ما ذهب إليه الفقه: من أنه لو غصب رجل جوهرة وابتلعها ثم مات، وأمكن الحصول عليها بشق بطنه، فقد أجازوا شق بطنه لاستخراج الجوهرة منها، إجابة لمطالبة حق صاحب الجوهرة فى استردادها.
    كذلك شق بطن الحامل الميتة، لإخراج جنينها إذا كان حيًّا؛ فإنه جائز إنقاذًا لحياة الطفل؛ لأن حفظ حياته أعظم مسألة من مفسدة انتهاك حرمة أمه([11]).
    ومن ذلك يتبين أن هذه الوسيلة متى تعينت للوصول إلى الهدف المراد، فيكون المصير إليها وتلمس طريقها بأن تكون آخر الطرق اللازمة للتعليم أو العلاج كونها لا يغنى عنها سواها، ومما ينبغى تقريره- فى هذا السياق- أن تعليم الأطباء عن طريق إجراء التجارب على أجساد الموتى إنما يحقق إقامة فرض كفائى للأمة؛ لأهمية وجود أطباء مسلمين يقومون على الطب والعلاج؛ إعتمادًا على أن تحصيل الخبرة والعلم الطبى يتطلب تشريح جثث الموتى؛ مما يكون معه هذا التشريح لأجساد الموتى جائزًا، على أساس قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"؛ إلا أن هذه الممارسة يجب أن تكون فى أضيق الحدود، بغرض التعليم أو كشف ظروف الجريمة والمجرم بناء على قاعدة: "الضرورة تقدر بقدرها"، وأنه يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
    وفى هذا الصدد يمكن أن تنظم المسألة من طريقين:
    1. أن توجد جثث لآدميين لا يوجد ولى أمر ولا ورثة لهم، الأمر الذى يؤول معه أمر تجهيزهم وتكفينهم ومواراة أجسادهم إلى الحاكم، فيكون تقرير الأمر بتشريح هذه الجثث مقررًا للحاكم فى حدود المصلحة العامة وحالة الضرورة؛ اعتبارًا بقاعدة: "الإمام ولى من لا ولى له".
    2. حالة ما إذا لم توجد مثل هذه الجثث، ومطلوب توفيرها للتشريح، فيكون المآل فى الحصول عليها إجراء قرعة علنية من قبل السلطة العامة؛ قيامًا بالفرض الكفائى، ووفق خطة تحدد الكم المطلوب منها حذرًا من إساءة استعمالها.. أساس ذلك أن القرعة طريق شرعى، يعتمد عليه فى تقرير بعض الأحكام الشرعية، مثل التزاحم على الآذان والصف الأول، فإن تقرير الحق فيه يتم على أساس  إجراء القرعة، والفصل فى الموضوع فتنحسم مادة النزاع، وهذا المنحى له أصل من السنة المطهرة، بقول الرسول- صلوات الله عليه-: (لو يعلم الناس ما فى النداء والصف الأول لاستهموا عليه)([12])- يعنى- أجروا قرعة فيما بينهم للفوز بالفضل فيهما, ولا مانع يحول دون تطبيق ذات الوسيلة على تشريح جسم الميت لأغراض طبية معتبرة شرعًا.
    المسأله الرابعة: الرأى الفقهى فى زرع أو نقل الأعضاء:
    ينبغى لتقرير الحكم الشرعى لعملية نقل أو زرع الأعضاء الآدمية، بيان ماهيتها، والوقوف على مدى الحاجة إليها من أجل حفظ الحياة الإنسانية: وهى إحدى المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، والاطلاع على المحاذير الناشئة عنها؛ تأسيسًا على القاعدة الأصولية: "الحكم على الشىء فرع عن تصوره".
    يذهب رأى إلى أن نقل عضو من شخص سليم إلى آخر مريض محرم شرعًا؛ لحديث الرسول r: (كسر عظم الميت ككسره حيًّا)([13]) يعنى فى الحرمة)[14] (؛ ولأن عملية نقل العضو وزرعه فى آخر يترتب عليه تغيير فى حكم الله، 
     ولأن نقل عضو من إنسان لآخر ينطوى على مخاطر يترتب عليها ضرر، والضرر ممنوع؛ ولأن هذا النقل يتعارض مع الكرامة الإنسانية، وقد يهدرها ويمتهنها.
      وثمة ملحظ يجب إيراده فى هذه القضية، هو أن أى عمل من هذا القبيل ينطوى على مصالح ومفاسد، باعتبار ما يتمخض عنه من نفع وفائدة لطرف أو ضرر أو انتقاص للطرف الآخر، وهو ما يقتضى إجراء الموازنة بين الأمرين، وتغليب أعلى المصلحتين، وترجيح أقوى الاعتبارين، وهو ما قرره الشاطبى بقوله: "إن المصالح والمفاسد لا تخلص كونها مصالح محضة؛ لأن تلك المصالح مشوبة بتكاليف ومشاق قلت أو كثرت؛ وإنما نفهم أنها مصلحة أو مفسدة على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب منها جهة المصلحة، فهى المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلب جهة المفسدة فهى المفسدة المفهومة عرفًا؛ ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبًا إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت فيه جهة المصلحة فهو مطلوب، وإذا غلبت فيه جهة المفسدة فهو مهروب"([16]).
    وعلى هدى ذلك يتم اختيار الرأى الأول برجحان المصلحة فيه، والأوفق لحالة الأشخاص- أطراف عملية نقل الاعضاء-، والأشبه بظروف العصر فى ضوء المستجدات التى طرأت عليه وعلى مجمل العملية، دون تفريط فى الثوابت أو افتئات على الأصول الشرعية؛ وإنما يجرى توصيف دقيق واستيعاب بصير بجوانب العملية برمتها، والتوفيق بين حرمة الإنسان، وحق العلاج.
    وثمة أدلة تجيز هذا النقل من شخص صحيح إلى مريض لغرض شرعى معتبر هو التداوى, فقد ثبت عن الرسول r أنه تداوى، وقال: (ما من داء إلا وله شفاء)([17]).
     "ويذهب الإمام مالك إلى أنه يجوز بيع لبن الآدميات لكونه طاهرًا ينتفع به, يستوى فى طهارته كونه من ذكر أو أنثى مسلمًا أو غير مسلم"([18]).
    "كما يذهب الإمام الشافعى إلى أنه يجوز بيع لبن الآدميات؛ ولأنه طاهر منتفع به جاز بيعه كلبن الشاة".  
    ويمكن إجمال الموقف من خلال عرض الصور التى يتم بها عملية الزرع على النحو الآتى:
    أولاً: التبرع بالأعضاء من شخص على قيد الحياة إلى مريض:
    أولاً: أن يكون الشخص- المنقول العضو منه- كامل الأهلية، اقترف فعلاً مجرمًا يستحق العقاب عليه بإهدار دمه؛ كما لو ارتكب جناية يعاقب عليها بالإعدام، وهو ما يجعله مهدر الدم إزاء ذلك؛ فإن هذا الشخص تعلق بحياته حق للغير وزالت عصمة دمه، وحرمة جسده شرعًا؛ لذلك يجوز نقل عضو من أعضائه- سواء كانت كلية أو قلب أو عين- إلى شخص مريض فى حاجة ماسة إلى هذه الأعضاء أو بعضها، بضوابط معينة, حتى يتحقق معنى التكافل بين الطرفين، وحتى نبعد بها عن الإتجار وشبهته، وحتى نحقق به معنى الإيثار والإحسان بالمفهوم الإسلامى.
    شروط جواز النقل:
    1. أن يكون الشخص المريض معصوم الدم غير مطلوب بعقوبة جنائية تستوجب إنهاء حياته.
    2. أن تتوفر فى حقه حالة الضرورة؛ بأن يكون على وشك الموت، وبحاجة ماسة لزرع عضو، أو كانت حالته حرجة تتطلب إنقاذه.
    3. أن يرتبط الشخص- المنقول منه العضو- بالشخص المنقول إليه بعلاقة قرابة.
    4. أن تتعين وسيلة إنقاذه فى نقل العضو أو الأعضاء البشرية من ذلك الشخص.
    5. أن يقرر الطبيب الثقة المختص، ضرورة ذلك النقل من هذا الشخص إلى الشخص المصاب أو المريض.
    6. أن تتم عملية النقل بكافة إجراءاتها ومراحلها فى مستشفى عام؛ تلافيًا لأى تجاوز أو انحراف؛ وسدًّا لذريعة الإتجار فى الأعضاء البشرية.
    7. ألا يوجد بديل آخر يحل محل العضو البشرى، بأن لم يكن هناك عضو اصطناعى يتم به الإنقاذ ويتحقق به الغرض.
    8. ألا يترتب على النقل إلحاق ضرر أفدح بالمنقول منه.
    ثانيًا: حالة ما إذا كان المتبرع معصوم الدم، لا يتعلق بحياته حق للغير، فهو لم يرتكب إثمًا أو يستوجب جرمًا يكون عقوبته إزهاق روحه.
    وهنا يتنازع الرأى بين من يعارض نقل عضو من مثل هذا الشخص إلى شخص آخر مريض؛ لأن الآدمى صنع الله الذى أتقن كل شىء، فجسده وكيانه كله ملك لله- تعالى-، وإقدامه على التبرع بأحد أعضائه يتنافى مع كرامته التى أوجبها الله- تعالى- له؛ ولكون هذا الفعل- بنقل عضو منه إلى آخر- ينطوى على إضرار به وإهلاك له، وهو محرم بقوله- تعالى-:          ﮨﮩ   ([19]).
    وقد يكون فى بعض الأحوال نوعًا من الانتحار, وهو محرم أشد التحريم حفاظًا على النفس ووقايتها من كل سوء, أو إحداث إخلال واضطراب بأداء الأعضاء أو انتقاص تكاملها.
    يقول القرافى المالكى: قاعدة: خمس اجتمعت الأمم مع الأمة المحمدية عليها، وهى: وجوب حفظ النفوس والعقول، وقال: فإن الضرورة تدعو لحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم وأعراضهم عن الضياع([21]).
    ويضيف أصحاب هذا الرأى بأن انتفاع الشخص المنقول منه هذا العضو المراد نقله أمر متيقن منه، واستفادة المريض بهذا العضو أمر محتمل غير مقطوع به، فلا يجوز تهديد حياة متيقنة بعمل موهوم؛ إذ الظن لا يعارض اليقين، والأقوى الاعتماد على اليقين لا الظن، وإلى جانب ذلك الرأى، فثمة رأى آخر يذهب إلى أنه عندما يكون المتبرع معصوم الدم لا يتعلق بحياته حق للغير، وجزم الطبيب العادل المختص بأن حياة المتبرع المنقول منه لن يلحقها ضرر وستظل مستمرة ومستقرة على نهج سوى كزرع كلية فى جسم المريض، فإنه يجوز للمتبرع نقل هذا العضو؛ تأسيسًا على قاعدة: "كل ما ثبت للإنسان حق التصرف فيه، كان له حق الإيثار به"، وكون نقل العضو يحقق مصلحة ضرورية للمستفيد على سند من الإيثار الذى تؤصله النصوص، وهو رأى بعض الفقهاء.
    أما إذا كان يترتب على النقل التأثير على المتبرع بضرر يتعلق باستقرار حياته أو سلامتها، فلا يجوز له التبرع بعضو من أعضائه؛ لأن حق الحياة ملك لله، فلا يجوز له التصرف فيه، وليس المنقول إليه أولى بحماية نفسه من المنقول منه, والضرر منهى عنه.
    والرأى أنه يجوز نقل عضو سليم مكان عضو معطوب متى كان النقل يحقق مصلحة ضرورية للمستفيد ورضى المنقول منه بزرع العضو فى جسم آخر، وذلك بشروط.
    1. أن يتم النقل بمحض إرادته واختياره.
    2. ألا يكون هناك بديل صناعى.
    3. ألا يلحق ضرر جسيم بالشخص المتبرع.
    4. أن يكون ثمة ضرورة لعملية النقل.
    5. ألا يكون المنقول إليه مرتدًا أو مهدر الحياة.
    ويمكن أن نجد سندًا على هذا الرأى فيما أورده صاحب البدائع بقوله: "وأما المعقول فهو أن ما دون النفس له حكم الأموال؛ لأنه خُلق وقاية للنفس كالأموال".
    وقال محمد بن الحسن: ما دون النفس من العبد "الإنسان" له حكم المال؛ لأنه خُلق لمصلحة النفس كالمال([22]).
    ويستطرد صاحب البدائع فى جواز الانتفاع بالأعضاء البشرية دون النفس أو الجسد بقوله: "عصمة النفس لا تحتمل الإباحة بحال، وعصمة الأطراف تحتمل الإباحة فى الجملة، فلو قال: اقطع يدى فقطع فلا شىء عليه بالإجماع؛ لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، وعصمة الأموال تثبت حقًا له، فكانت محتملة للسقوط بالإباحة والإذن؛ كما لو قال: اتلف مالى، فأتلفه"([23]).
      وبهذا المنحى يكون التصرف من شخص على قيد الحياة والمقتصر على التبرع بأحد أطرافه لآخر محتاج إليه من أجل سلامته البدنية وصحته الحياتية أمرًا جائزًا، ويضحى هذا التصرف من المتبرع تصرفًا جائزًا؛ لأنه تصرف فيما يملكه؛ لأنه حق من حقوقه، آثر به المريض على نفسه، وقصد به الخير والمصلحة.
    ثانيًا: حالة ما إذا كان المتبرع ميتًا. 
    الموت: مفارقة الروح البدن مفارقة تامة، أو بعبارة أخرى هو: انقطاع الحياة عن البدن انقطاعًا كاملاً، أو انتهاء مظاهر الحياة المتمثلة فى: التنفس، والنبض، وجذع المخ، وحركة الأعضاء، والدليل المعتمد هو: سكون النبض، ووقوف حركة القلب تمامًا؛ لكن يجب التأكد بوسائل أخرى تعين على التيقن من الوفاة.
     ويطلب رأى الأطباء "أهل الاختصاص"، وقد ذكروا أن هناك ما يسمى بموت الدماغ، إلا أنه ليس دليلاً تامًا؛ لأنها لا تقدم دليلاً يقينيًّا علميًّا بأنها حالة موت، من أجل ذلك لابد من تحقق الموت التام شرعًا، ولا يبنى الموت على ما لا يتوقع حدوثه؛ إذ أن أحكام الشريعة من ميراث، ووصية، وانفصام العلاقة الزوجية والعدة.. إلخ؛ إنما تترتب على الموت المحقق أو الفعلى، لا الموت المتوقع أو الوشيك.
    ذلك أن موت الدماغ قد يسفر عن انتعاش المريض واستعادة الحياة فيه مرة أخرى، ومتى كان ذلك فلا يجوز اعتماد موت الدماغ على أنه وفاة شرعية.
    وقد تكون دقات القلب مستمرة بناء على تركيب أجهزة صناعية، ومن ثم فلا يجوز اعتباره ميتًا استصحابًا لحياته.
    وقد يثور حكم فصل تلك الأجهزة الطبية وموت المريض فلا حرمة فى نزعها؛ إذ المعول عليه  أن القلب ينبض والتنفس يحصل وفقا للوضع الطبيعى، وليس بالأجهزة الطبية التى تشكل استثناء على القاعدة العامة، ولا تندرج ضمن أساليب العلاج.
    وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامى- التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامى-  فى أكتوبر 1986م أن الشخص إذا مات تترتب جميع الأحكام المقررة شرعًا على الوفاة إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:
    1. إذا توقف قلبه وتنفسه توقفًا تامًا وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.
    2. إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائيًّا, وحكم الأطباء الاختصاصيون بأن هذا التعطل لا رجعة فيه, وأخذ دماغه فى التحلل.. وفى هذه الحالة يجوز رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص، وإن كان بعض الأعضاء لا يزال يعمل آليًّا بفعل الأجهزة المركبة.
    ويثبت من ذلك أن موت القلب، وسكون التنفس بالشهيق والزفير، وانعدام الحركة فى الجسم هى العلامات المؤكدة على الموت الطبيعى دون اعتماد على الأجهزة الطبية ودون وجودها.
    أما المجمع الفقهى لرابطة العالم الإسلامى فقد أصدر قرارًا فى دورته العاشرة المنعقدة فى مكة المكرمة عام 1408هـ: بإجازة رفع الأجهزة فى مثل هذه الحالة إلا أنه لم يعتبر الشخص ميتًا من الناحية الشرعية, ولا تسرى عليه أحكام الموت إلا بعد توقف قلبه ودورته الدموية.    
    المسأله الخامسة: حكم نقل الأعضاء من الميت:
    بموت الإنسان تنتهى شخصيته، وتنتقل حقوقه التى كان يجوز له التصرف فيها إلى ورثته، والأمر يتعلق بنقل الأعضاء، والتصرف فيها محكوم بقاعدة: "الأطراف يسلك بها مسلك الأموال".
    وهذا الحق فى التصرف فيها ينتهى بانتهاء شخصية المتبرع بالموت؛ لذلك يثبت لورثته الحق فى التصرف فيها بواسطة الإجازة بالنقل، أو منع نقلها إلى المريض أو المستفيد.
    ويعارض الحنفية والشافعية بحرمة الاستفادة بجسم الميت، وهو قول مرجوح؛ لأن الاستناد إلى المنع على سند من الكرامة الإنسانية، المعتبر فيها إرادة الإنسان، فهو الحريص على رعايتها والمدافع عنها، وصاحب الحق فى التصرف فيها؛ اعتمادًا على خُلق الإيثار والإحسان.
    ومفصل القضية أن النقل لمصلحة أكيدة وثابتة هى إنقاذ إنسان حى، وتوفير سلامته فى ظل التقدم العلمى الحاصل فى هذا العصر من شأنه أن يحقق مصلحة معتبرة شرعًا: أن يحسن إلى الناس بقدر ما أحسن الله إليه
    وفى هذا السياق قرر المؤتمر الإسلامى الدولى المنعقد فى ماليزيا عام 1969م إباحة عمليات نقل وزرع الأعضاء من ميت إلى حى إذا تحققت المصلحة العلاجية من ذلك, وبشرط وفاة المتنازل, وأن يكون النقل إما بوصية منه أو من وليه.
    ومفاد ذلك أن نقل عضو أو أعضاء من الميت إلى المريض الحى جائز بشروط:
    1. رضاء الميت بهذا النقل عن طريق الوصية بالتبرع بأعضائه أو بموافقة أوليائه على التبرع بعد موته.
    2. أن تتحقق الفائدة أو المصلحة من جراء ذلك النقل للمريض يقينًا، أو بحسب الظن الغالب من الطبيب الثقة المختص.
    3. ألا يكون ثمة بديل آخر لعلاج المريض غير هذا النقل لعضو الميت إليه، فلو كان يصلح بديلاً عنه إثبات عضو من الحيوان، أو قطعة مطاط، أو بلاستيك مثلاً، فلا يجوز النقل من جسد الميت.
    4. التأكد من وفاة المنقول منه العضو.
    وقد توضع ضوابط أخرى لإحكام عملية النقل ومنع الانحراف بها.
    ويعارض ذلك الرأى رأى آخر يذهب إلى حرمة نقل عضو من جسد ميت إلى جسد شخص حى على سند من أن كرامة الآدمى وحرمة انتهاك جسده ثابتة للآدمى حيًّا وميتًا على سواء؛ استنادًا إلى الأدلة التى سبق أن ذكرناها.
    ونرى أن الرأى الأول القائل بإباحة زرع عضو الميت لآخر على قيد الحياة هو الراجح للاعتبارات التى سبق ايرادها، وهذا ما انتهى إليه قرار المجمع الفقهى برابطة العالم الإسلامى تحت رقم 99 فى 6/11/1402هـ([25]) فيما جاء نصه:
      قرر المجلس- بالإجماع- جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حى مسلم أو ذمى إلى نفسه إذا دعت الحاجة وأمن الخطر فى نزعه وغلب على الظن نجاح زرعه.
    كما قررالمجلس- بالأكثرية- ما يلى:
    1. جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة فى نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.
    2. جواز تبرع الإنسان الحى بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك.
    كما أجاز مجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامى نقل الأعضاء البشرية وزراعتها على النحو السابق فى قرار مجمع الفقه الإسلامى برابطة العالم الاسلامى([26]).. ومن ذلك نعلم جواز زرع عضو ميت فى جسد حى متى توافرت حالة الضرورة أو الحاجة,،  من حيث إنها تصوير لعملية زرع الأعضاء.
    وفى ضوء الحقيقة الشرعية بات من المهم أن يصدر قانون زرع الأعضاء ويضع الضوابط المنظمة لهذا النقل وفق ما سبق الإشارة إليه حتى نضع حدًّا لمافيا الإتجار فى الأعضاء البشرية, وتوضع عقوبة على من ينتهك أحكام هذا القانون, "فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، فقد انتهكت الكرامة الإنسانية إلى مدى غير مسبوق، وأصبح بيع الأعضاء سلعة يتجر فيها على غرار السلع الأخرى.
                         وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وآله وسلم







                                                                أ. د. محمد الشحات الجندى
                                                               عضو مجمع البحوث الإسلامية

    جديد قسم : طب

    اعلان منتصف الموضوع